الأربعاء، 4 يونيو 2008

فيلم ماغنوليا 1/2**/****
لا تكفي الدقة ليكون الفيلم رائعاً، الشخصيات قد تكون رائعة بدون سيناريو محبوك


يستهل فيلم ماغنوليا بدايته بتقرير عن شنق ثلاثة مجرمين في مطلع القرن العشرين، حُكم عليهم بالموت لما ارتكبوه بحق أحد الأشخاص من جريمة قتل. و إظهار غرابة الأحداث و التناقض و التشابه بينها. بقصد إرساء أن كل شيء محتمل حصوله، أو مبدأ "كل شيء جائز".

ثم يسرد قصة عن شخص حاول الانتحار، و المفترض أنه لن ينجح في المحاولة. إذ حين قفز من علو شاهق اتضح أنه كان سيسقط على شبكة حامية من السقوط، لكن أخذاً بمبدأ "كل شيء جائز" أثناء قفزه إلى حتفه يصيبه طلق ناري يفجر جانب من لحم بطنه و يموت بسببه لا بسبب الانتحار. و يتضح أن من أطلق النار كان والديه ــ والدته تحديداً. حين كانت تتشاجر مع والده كالعادة. و الصدفة وحدها هي تقرر أن البندقية كانت محشوة على غير العادة. و كشف ولد صغير سر حشو البندقية، كان يزور المنتحر. كان قد رآه يُعبئ البندقية من دون علم والديه لينهي صراعهما المرير المستمر.

شخصيات الفيلم تبدو ليست مرتبطة، لكن متابعة الفيلم إلى الأخير يُظهر ارتباطها الشديد ببعضها البعض. و هنا محاولة لمعرفة ذلك الربط، و القرب الشديد بينها ما أمكن. ثم محاولة لتقييم الفيلم من وجهة نظري، و رأيي فيه.

يتشعب الفيلم إلى محاور عدة تظهرها شخصيات تبدو جميعها مميزة. أحدها كان يقدم مسابقة (شبيهة بالفوازير) تضم فريقين أحدهما من الصغار، و الآخرين يافعين. و يظهر أنه مصاب بمرض السرطان. يقوم هذا الرجل بزيارة ابنته التي لا تستقبله بل تجده أمامها حين استيقظت من النوم، لتنشأ بينهما مشاجرة كلامية و صراخ عنيف من قِبل الابنة، تطرد فيها الرجل شرّ طرده. ليرتبط بالقصة أحد أفراد الشرطة، حين كان يتفقد الشقة التي سمع منها الشابة تصرخ. و يتضح أنها مدمنة على المخدرات بسبب شيء ما. أثناء تفقده المنزل يقع في هواها و يطلب أو يسأل عن موعد، فتوافق على الفور.

خط السيناريو أيضاً يعرفنا على "فرانك ماكاي" يقوم بالأداء (توم كروز)، في واحد من أصعب أدواره، و أهمها تقريباً. و الذي يؤدي هنا دور عدو المرأة الشعبي المباشر. و الذي يتضح أنه لا يكذب لكنه يتجمل. و يبدو أنه هو بدوره مُقاطع لوالده أيضاً. والده الذي يرقد على فراش في منزله، و ينتظر أن يقوم ابنه بالزيارة الأخيرة قبل رحليه إلى مثواه الأخير. و الذي ترعاه زوجته الشابة، و التي تتأفف منه و تحاول عمل شيء يُنهي هذا التأفف بأية طريقة. تقوم بالأداء (جوليان مور).و نصل إلى دور "دوني سميث" يقوم بالأداء (وليام ماسي)، و هو شخص فاز في المسابقة في طفولته. يريد الآن مجاراة عامل البار الذي يتردد عليه، بوضع تقويم لأسنانه، مما يفرض عليه مشاجرة مع رئيسه في العمل. و بالمناسبة أثناء تقديم المسابقة أحد الصبية المشاركين يتسبب بإحراج نفسه، و لم يكن الأمر غير مقصود، في نهاية المسابقة على الأقل، حيث تبين اشتياقه للتمرد و لو مرة واحدة على والده. و ذلك بعد رصد الحالة التي يريد المخرج و الكاتب في نفس الوقت توصيلها إلى المثقفين السينمائيين و المفترض أنه منهم. و واضح ذلك من المشهد الذي أُحرج فيه الصبي. و وجدها فرصة لكي يجد نفسه حراً أخيراً، و نهاية لتسلط و نفوذ الآباء كما حصل مع توم كروز و شخصيته مع والده، و الفتاة المدمنة مع والدها مقدم المسابقة، و التي اعترف لزوجته في نهاية المطاف لسبب كره ابنته له.

و بعد كل هذا الربط يتأتى لنا حقيقة واحدة، و هي أن كل شيء ممكن أن يحصل، و ليس هناك مجال للاعتراض على كل ما سيحصل، حتى لو كان مسلوباً منه المنطق، كما جاء في نهاية الفيلم و المَشاهد الأخيرة منه.

برأيي الفيلم لم يقل شيئاً جديداً مهماً، و يفتقر إلى المشاهد المتقنة التي تحكي بحد ذاتها حكاية. و الشخصيات فقط غير سوية بسبب تحول أرواحها إلى خلاء تكاد تصرخ فيه من الوحدة، ليست رائعة. الشخصية مُهملة لا تبحث عن ذاتها بل تكاد تطمس في مجتمعها. أتذكر بهذا الخصوص روعة و جمال شخصيات مارتن سكوريزي في الفيلم الرائع جداً رفاق طيبون "Goodfellas" و كيف هي رائعة تزخر بالجمال و الحميمية رغم حياتهم الضيقة و المسلوب منها الوفاء، بسبب العمل الإجرامي الذي يقومون به. و عالم المافيا الذي يكاد يكون عالماً مثاليا لو لا وجود العقل و رجاحته. فبرغم شدة البغض الذي نراه في المجرمين، إلا أن هؤلاء المجرمين يُصوروا بطريقة ذات سهولة في الهضم و الرغبة الجامحة في العيش وفق مبادئهم. و هو ما لا نراه في شخصيات فيلم (ماغنوليا) رغم وجود الطهارة و المواطنة و التقرب من الناس. لكنها فقط تعيش داخل أرواحها تتقوقع على نفسها.


على العموم هناك فكرة الاعتراض من الأبناء على الآباء في مشاهد طويلة نسبياً حُبكت بطريقة متقنة. أروعها ما تم بين توم كروز و والده. و قيام الأب بالرد على ابنه و استخدام صوت الأب كخلفية لأكثر من مشهد، بلقطات بارعة كانت أقدر على التعريف و استعراض جُل أحداث الفيلم بالبراعة في الحوار. و الذي أعتبره ثلاثة أرباع الفيلم. و الباقي ربعه أقسمه بدوره إلى قسمين، قسم للتمثيل، خصوصاً من توم كروز و أداءه المتميز جداً، و تعابير عينيه المكسورتين و التي تحمل ألماً خفياً يخفيه حتى عن نفسه. أفلح بالتعبير عن شكل الكُتاب الأمريكيين الجدد، و الذين يتمثلون في كتابة كُتب تطوير الذات. أما النصف الثاني من الربع الأخير و حتى تكون القسمة عادلة، فهو من نصيب فقر الفيلم إلى شخصيات شريرة تُنفر المُشاهد من مجرد التفكير في تواجدها فضلاً عن مُشاهدتها. و هو ما يُحسب من حسنات الفيلم.


ليست هناك تعليقات: