أفلام الحركة (الأكشن)

أفلام الحركة (الأكشن)
لطالما كانت أفلام الحركة، على مدى سنوات، تتميز بجاذبية لافتة في عالم الأفلام السينمائية، تتفوق على نظيراتها من باقي التصنيفات (Genre). و تُعد من الأمور المفضلة عند أكثر الفئات حيويةً، فئة الشباب. تخترق عقولهم المليئة بالحماسة, و تتجسد أمامهم أحلاماً في شكل بطولات خيالية. في أفلام ذات حبكة سريعة, تمتلئ بالمطاردات الطويلة ذات الإيقاع السريع. تستهلك، في معظم الأحيان، جُل وقت الفيلم. و تمتد إلى أجزاء، كما هي العادة مع الأفلام الناجحة نسبياً. تجد طريقها بين عامة المشاهدين معظم الأحيان، و تتوسع لتجلب أكثر الممثلين شهرة، و من شتى المشارب والاتجاهات.
فربما تكون هذه النوعية محوراً أساسياً لحديث ودي يدور بين شابين, أو عدة شباب، تجمعهم معرفة وثيقة, أو حتى معرفة سطحية، كافية لحديث و مجادلة طويلة, قد تصل إلى المباهاة. ربما أخرج أحدهم دليلاً قاطعاً, و بالحجة الدامغة، على صحة كلامه، و بجهد بالغ! فقط من أجل الدفاع عن بطله الموهوم، الذي كان كل ما فعله، هو، تمثيله دور البطولة في السينما، لعدة أفلام من ذلك الصنف، أفلام الحركة (الأكشن)، دفعه إلى الاستقتال من أجله. و مجاراة الجميع في أحاديثها.
يتكون الفيلم عادةً من محفزات قليلة تشد انتباه المشاهدين, لكن عنصر المبالغة فيه يكون كبيراً جدا، بقصد الإبهار و شد الانتباه. إلى درجة إضاعة المُشاهد, و تشتيت انتباهه عن الموضوع الأصلي للفيلم, و فقدان جوهره الحقيقي، و نسيان ما الهدف الرئيسي و حبكة القصة.
و المحفزات عادة تكون:
أولاً: تمتع البطل ببنية عضلية جذابة, و جسم متناسق جداً, و مشدود بشكل لافت، قضى سنوات في سبيل الوصول إليه. أو قد يكون بطلاً في لعبة من الألعاب الرياضية، و يجيد نوعاً من أنواع المهارات القتالية, أو ما يعرف بـ Martial Arts ( الفنون القتالية)، جعلته يتفوق على أقرانه، من زملائه في النوادي التي كان يرتادها, أو حصوله على بطولة من البطولات كفلت له الشهرة و الدخول إلى عالم السينما.
ثانياً: احتواء الفيلم على كم هائل من الأسلحة الفتاكة المتطورة بجميع أنواعها، لا تظهر إلا في الأفلام من صنف أفلام الأكشن, لا داعي لوجودها في الحدث. كالرشاشات الأوتوماتيكية, و المسدسات الصغيرة, و السكاكين و الخناجر الغريبة الأشكال. و هو شيء يُشاهد دائماً في هذه النوعية من الأفلام, حتى يُخيل إلى المُشاهد أن البطل ــ العملاق ــ سيغزو دولة صغيرة بأكملها!
ثالثاً: المطاردات بالسيارات الفخمة و ذات السرعة الخيالية، كـ البورش, و الفيراري, و الفايبردوج، و هلم جرا. مطاردات بسيارات عبثية قام بتصميمها أشخاص ذوي خبرة عالية في التصميم, و الدقة المتناهية، كان قد تخرجوا من أشهر الجامعات العالمية, كـجامعة (يال) Yale, أو ( أكسفورد) Oxford، و سواهما من جامعات عالمية،ذات صيتٍ ضاج في عالم الخبرة و الدقة. ليقومون بإعطائها ــ السيارات ــ إلى أناس ذوات أشكال غريبة يعلو سحنتها الإدمان و القذارة, غرضهم تعليم و تشجيع المراهقين ــ و هم الأغلبية العظمى من المشاهدين ــ للقيام بما يرونه, و يقلدونه، أو ليصبحوا مرآة لهم. و المعروف أنه شيء وهمي لا يمت إلى الواقع بأدنى صلة. فإنك لو صادفت و سألت أحد هؤلاء الممثلين : هل تقوم بالمِثل؟ لأجابك بازدراء واضح : No way. فلن يعرّض حياته الثمينة إلى مثل هذا المطاردات و المنافسات الممثلة على الشاشة, بل يدعها إلى ذوي الاختصاص من البدلاء المخاطرين Stunt Men.
رابعاً: إتباع طريقة خاصة في الكلام, أو حوار موجه بكل وضوح إلى المراهقين. كاستخدام كلمة (كوول) Cool بشكل دائم, و هي عادةً لا يستخدمها إلا الفتيان, أو أولاد الشوارع في الغرب و أمريكا بوجه خاص. لكنها في هذه الأفلام نراها تنطلق من لسان شخص تجاوز الخمسين منذ سنوات طوال، و أخذ يتصابى بالملابس ــ و هي الشيء الفاتن في مخيلة الفتيان المراهقين ــ و لبس الجلد, و السلاسل الذهبية, و الأوشام Tattoo التي تغطي جسده بالكامل. شيء عجيب, أو فلنسمه ((خبيث)).

لكن برغم كل هذا التضليل، لا تخلوا هذه النوعية، من أفلام الأكشن، من الجودة. إذ على مر العصور السينمائية تجلت أفلام و أبطال على الساحة أمتعت الجمهور من شتى الأعمار بفنها و إبهارها المتميز، و تكاد تصبح النوعية المفضلة عند الجميع.
على سبيل المثال، فيلم الأستاذين الكبيرين، روبرت دينيرو Robert De Niro، وَ آل باتشينو Al Pacino، (حرارة) Heat 1995. أحد أقوى أفلام التسعينيات من القرن العشرين. إذ كان فيلماً من العيار الثقيل و الأسلحة الثقيلة أيضا. امتلأ بمشاهد الهروب، و عمليات السرقة, و التخطيط الذكي في تخطي عقبة الأمن، و البراعة من جهة التمثيل. و فيلم روبرت دينيرو، الآخر، ( رونين) Ronin. الذي جاء بعد فيلم Heat بثلاث سنوات, و احتوى على معظم مكونات فيلم الأكشن، كالمطاردات بالسيارات (شاهدنا مطاردة بواسطة سيارة BMW دفعةً واحدة, و رأينا استخدام لمدفع "الآر بي جي" في أكثر المَشاهد إثارة, و هو مشهد المطاردة). نجح الفيلمان، بشكل كبير، في اجتذاب الجمهور من جميع فئاته. و أرضى النقاد، و هم ــ تقريباًــ الأهم عند أكثر المخرجين شهرةً في عالم الإخراج السينمائي, فضلاً عن شبّاك التذاكر الذي صب الأموال في جيوب المنتجين.
شهدت عدة عقود نجاحات متفاوتة في نوعية أفلام الأكشن, كفترة الثمانينيات من القرن العشرين, و كانت ساحة السينما في تلك الفترة مليئة بأبطال الرياضة، كـ أرنولد ستشوارزينغر Arnold Schuarzinger, أو كما يعرفه المُشاهدون، و المراهقون بشكل خاص، بـ (كومندو) لكونه مثل فيلماً بهذا العنوان "Commando" خلق به أساطير, و أحلام العسكريين، و أولئك الراغبين بأن يصبحوا ممتازين في مجال القوة و البطولة. أيضاً الممثل سلفستر ستالون Sylvester Stallone, أو الشهير برامبو، بعد تجسيده لشخصية رامبو في سلسلة الحلم الأمريكي البشع (Rambo) بثلاثة أجزاء. أنهاها بمشروع هو الجزء الرابع من هذه السلسلة، و دعاه "جون رامبو". أيضاً عُرف بروكي، بعد خوضه غمار تمثيل سلسلة أفلام الملاكمة (Rocky). و كانت سلسلة ناجحة جداً امتدت إلى خمسة أجزاء ابتدأها في عام 1976 تواصلت على فترات متقطعة، كان أخرها Rocky 5"" سنة 1990. توقف بعدها ستة عشر عاماً, ليعود و يختتمها بجزء سادس في عام 2006 و دعاه "روكي 6". كانت تتخلل تلك الفترات فيلماً أو فيلمين لا يحيد فيهما عن شخصية رامبو و روكي الناجحتين في شباك التذاكر على الأقل.
غير هذا كانت ساحة الأكشن العالمية ممتلئة منذ عقود بممثلي الأكشن، كان يتزعمها الممثل الراحل، أو الأسطورة كما يُدعى، بروسلي. القادم من هونغ كونغ، ليحط في أمريكا، و يلتهم النجومية في عقد السبعينيات من القرن المنصرم. و ينشر لعبة الكونغ فو في أمريكا، و بعدها في كل العالم، و يكون بطلاً غير مُنازع. إلى أن توفي، في ظروف غريبة غامضة، أثناء فترة تصوير فيلم "لعبة الموت" مما أضطر بالمنتجين لإحضار بديل شبيه، حتى يُستأنف الفيلم و يعرض في دور السينما كآخر فيلم لبروسلي.
استمر الأبطال الصينيون بالتوافد إلى أفلام الأكشن، و منهم بطل لعبة الكونغ فو، و كان مثّل في عدة أفلام بجانب بروسلي ككومبارس مخاطر، جاكي تشان "ممثل الأكشن رقم واحد في العالم" كما يُدعى. اتخذ جاكي تشان، مبدأ مخالفة برسلي ــ بحسب قوله ــ في كل حركاته. فبروسلي ذاك ممثل دموي، لا بد أن يطرح أعداءه موتى، على عكس جاكي تشان، الذي يهرب من أعدائه، لكن أن تقاتل معهم، فهو القوي المغوار، الذي يستطيع أن يضرب بقوة كبيرة و ينفذ بسرعة الريح من الجميع. أيضاً هو ممثل فكاهي يقوم بتأدية بعض الحركات الصامتة، أو الإيماءات بواسطة الجسد، كما كان يفعل تشارلي شابلن. بالإضافة، أن جاكي تشان، لا أحد يقوم بالحركات الخطرة في أفلامه سواه. لأنه أصلاً كان بديلاً مخاطراً في أفلام سابقة، حتى أتته الفرصة أن يقوم بالتمثيل و البطولة المطلقة.
و المزيد الكثير من الأبطال، أبرزهم بطل كونغ فو صيني آخر، هو جيت لي، الخفيف السريع، الطائر بجسمه، المحلق في رقاب خصومه. بدأ بالتمثيل و بطولة الأفلام في سن صغيرة. كان بطلاً منذ الصغر في اللعبة القتالية، و كان هذا كفيلاً لإعطائه أدوار البطولة. بالإضافة إلى اختياراته، التي كانت سبباً رئيساً ليكون بطلاً، يُقارع الكبار، و جاكي تشان احدهم. و كان الجمهور على موعد مع البطلين، إذ اشتركا في بطولة فيلم واحد، هو" المملكة المحرمة". قدما فيه أقوى و أجمل عروض فنون القتال، و كان استعراضاً يليق، بهما كبطلين.
و تستمر الساحة ــ لأفلام الأكشن ــ باستقبال الأبطال من عدة بلدان، تتوافد من كل الأنحاء، حتى وصلت اللعبة الدخول إلى الأفلام العربية، أدخلها بالشكل الواسع و المتعارف عليه، المخرج المصري الراحل حسام الدين مصطفى، في واحد من أعظم أفلام الحركة على مر العصور السينمائية العربية بلا منازع، فيلم (الأبطال) سنة 1974. كان من بطولة الممثل ذو الجسم الرياضي في ذلك الوقت، أحمد رمزي، و وحش الشاشة و شريرها، الراحل الكبير فريد شوقي في واحد من أمتع أدواره. فيلم جميل للغاية، تقريباً، يُنافس أفلام الحركة العالمية.
لم يستطع العرب مجاراة ذلك الفيلم بأفلام شبيهة، فأتت معظمها أفلاماً باهتة خالية من الإثارة و الإتقان المطلوبين. خلا فيلم ــ نوعاً ما ــ من بطولة بطل الكونغ فو، المصري (يوسف منصور) بأول فيلم بطولة له، لكن ليس أول أدواره، حيث كان أول دور في فيلم (العجوز و البلطجي) من بطولة رمز من رموز الفن السينمائي العربي الكلاسيكي، الفنان كمال الشناوي، ظهر يوسف منصور، كبطل، في فيلم ( قبضة الهلالي) شاركته في البطولة حسناء السينما العربية، ليلى علوي بدور أخته. و كان فيلماً ناجحاً، أدى لافتتاح الطريق أمام أفلام الأكشن، لكن بضعف في المستوى الفني، لم يعادل فيلم حسام الدين مصطفى المُشار إليه.